في تفوّق اللبنانيّة على السورياليّة

IMG-20201029-WA0046

حين يعجز اللسان عن الوصف أو حين تفوق المسألة، أي مسألة القدرة على التخيّل، يُحال الأمر إلى السورياليّة. إنّها الملاذ الآمن والمُنقذ من الإعتراف بالفشل في تفسير أي ظاهرة أو في فهمها أو حتّى في  قبولها. لكن حين لا تعود السورياليّة مُعبّرة عن واقع الحال، فلا بدّ أن الحديث يطال لبنان واللبنانيين. أن تصف الوضع أي وضع بالسوريالي، فهذا يعني أنك لم تبلغ الحالة اللبنانيّة بعد، أو أنّك لا تعرف ما هو لبنان ومن هم اللبنانيّون، رغم أن صيت البلاد كما صيت مواطنيه بات ذائعًا هذه الأيام

باتت عبارة لبنان أو لبناني هي الصفة الأنسب، بل الأصح في التعبيرعن الحالة ما«فوق السورياليّة » فبدلا  من القول ما هذه القصة السورياليّة، يُمكن القول ما هذه القصّة «اللبنانيّة» ليصبح المعنى أكثر دقّةً وبلاغة. والقرائن متوفّرة على المستويات كافة بدءًا من الشأن السياسي مرورًا بذلك الإقتصادي فالمعيشي وصولًا إلى الشأنين الإجتماعي والإنساني. ففي السياسة مثلًا، يتلهّى السياسيّون في لعبة توزيع الحصص والتأخر في تشكيل الحكومة والحرد والحرد المضاد كأنّهم يعيشون في عالم إفتراضي يقتصر فيه التفاعل على قلوب ملوّنة أو مكسورة أو أصابع زرقاء تبصم فترفع من رصيد هذا  اللاعب مقابل ذاك، علمًا أنّه في النهاية وكما يقول المثل الشائع «كلّو عند العرب صابون». وما همّهم أيّ أصبع أزرق يُرفع في وجههم أكان الخنصر أم الأوسط، فالبلاد هي لعبتهم المفضّلة لتقطيع الوقت وقتل الممل بانتظار إنتهاء جائحة كورونا يقرأون فيها حركة الأصابع وفق أهوائهم وحاجاتهم لها، أو يهزأون منها ويتجاهلونها، هكذا بكل بساطة.  يلعبون ويلعبون فقط متجاهلين ما يجري حولهم. إنفجار مرفأ من هنا غرق سفن الموت في طرابلس من هناك، موت مجاني في كل مكان؛ لاشيء يبدّل من مسار يوميّاتهم: يستيقظون  صباحًا، يتأنّقون، يتعطّرون ويبدأون نهارهم رافعين شعار: «إعمل نفسك ميت» كما يقول المصريّون. هذه ليست أحداثًا سورياليّة، ففي السورياليّة بعض من الواقعيّة، أما في «اللبنانيّة» فلغة الطلاسم هي السائدة 

قد يعتبر البعض أنّ لا تجديد في اللعبة السياسيّة اللبنانيّة، وأنّها باتت تفتقر إلى المخيّلة رغم أن أبطالها ما زالوا ملوك الساحة كأنّهم يتناولون مضادات الفناء. وهذا البعض مُحقّ في اعتقاده وخصوصًا أنّ الإبداع انتقل إلى المشهد الإقتصادي حيث المرح، كلّ المرح. ممّا لا شكّ فيه أنّ لبنان بهمّة مصرفييه، وعلى رأسهم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، تبوّأ المركز الأول في ابتكار قوانين وأنظمة ماليّة جديدة، قد يحتاج أعرق خبراء الإقتصاد وأكثرهم علمًا ومعرفة ونباهة إلى سنوات وسنوات لفهم علم المنطق التي يحكمها. ومن المفيد، بل من الضروري أن تُجمع كلّ القرارات الاقتصاديّة ونظام “الخرجيّة” الذي اتبعه النظام المصرفي في لبنان بعد أن وضع يده على أموال (المودعين صغارهم طبعًا وليس كبارهم) وتدرّس في الجامعات تحت عنوان: «كيف تنهب بلدًا في 24 ساعة». لذا، فإنّ وصف الوضع الإقتصادي في لبنان بالسوريالي، ينطوي على انتقاصٍ كبير وغير مقبول لفرداته وغرابته. ونظرًا لعجز اللغة العربية عن مواكبة التطورات في بلاد الأرز، وإيجاد المفردات المناسبة التي تجسّد حالتها، فإن استخدام عبارة “لبنانيّة” باتت تفي بالغرض وهي تعني تجاوز السورياليّة بأشواط، ومن صدّر الحرف ذات عصر إلى العالم، له كامل الحق في إضافة أوصاف جديدة إلى اللغة. هذا إذا أردنا مقاربة الموضوع من زاوية إيجابية إرضاءً لمن يخشون دائمًا على تشويه صورة لبنان في الخارج. لا مُبالغة أو تضخيم في وصف الوضع الإقتصادي  إنّها الحقيقة التي يُصدّق عليها السواد الأعظم من اللبنانيين الذين يذوقون الذلّ أشكالاً وألوانا كلّما احتاجوا إلى سحب رواتبهم. الرواتب وليس الإيداعات لأنّ الأخيرة أتاحت للبنان تسجيل براءة إختراع في علم الكمياء تحت عنوان: «كيف تحوّل العملة الورقية ولا سيّما الخضراء منها إلى بخار». لا تكتمل الحالة «اللبنانيّة» بمعناها الـ «ما فوق السوريالي» من دون الإشارة إلى المواطن اللبناني نفسه. هنا، يصبح الوضع معقّدًا إلى حدّ كبير ويحتاج إلى الكثير من البحث والتدقيق لفهم تكوين هذا المخلوق من دون الوصول إلى نتائج أكيدة ومحدّدة. لم تعد نصرة الزعيم، أو التصفيق لكبير الطائفة، أو الاختلاف في الرأي الذي يتحوّل إلى خلاف وقطيعة بين أعز الرفاق والأصدقاء، من الأمور المُستهجنة رغم فظاعتها. لقد انتقلت هذه الحالات إلى خانة الأشياء التي نعتاد عليها، فنقبلها ونتأقلم معها بصفتها جزءًا من هوية وليست دخيلًا عليها. فلبناني اليوم يشبه السلطة في أدائه، وإن كان يقف في المقلب الآخر. هو أيضًا يستيقظ كلّ صباح، يشتم ويلعن الطبقة السياسية الفاسدة، يهدّد ويتوّعد متسلّحًا بوسائل التواصل الإجتماعي التي يخوض من خلالها أعتى المعارك «الدونكيشوتيّة» يهلع من صوت الرعد الذي يذكرّه بانفجار 4 آب، يملأ صفحات التواصل الاجتماعي بكوابيس ليله الطويل منذ ذلك اليوم المشؤوم، يعجن الطحين العراقي الذي أتلفه الشتاء في مستودعات المدينة الرياضيّة بالسمّ ويطعمه (افتراضيّا) إلى الطبقة السياسيّة الجاحدة التي تجوّع شعبها، يستنفد كلّ الـ «إيموجي» التي يتيحها له مارك زوكربيرغ للتعبيرعن تقبلات مزاجه وحالته النفسيّة المتدهورة، يخترع هاشتغ #فيلينغ كما تفعل كاتبة هذه السطور، إمعانًا في مزيدٍ من التعبير، يسترجع يوميّات ثورته المبتورة بحنين وأسى لا ينقصهما سوى صوت الكمان أو الناي للخلفيّة الموسيقيّة، يشعر أّنّه أتّم واجباته الإنتقاميّة على أفضل وجه وحصل على التفاعل والتصفيق الاجتماعيين اللازميين للتأكيد على أنه يسيرعلى طريق الصواب لاستعادة حقوقه وحقوقه زملائه المواطنين المهدورة. يمسح عرق انفعاله، ثم يخرج من البيت ليتابع حياته مزوّدًا بنوتات مختفلة من ال«نق» يستنبطها من أجواء ألعاب أبطال السلطة وبطلاتها. يقف في الطابور أمام المصرف للحصول على ما يتصدّقون عليه من راتبه، هذا الراتب-الفتات الذي خسر ثلثي قيمته بعد تدهور سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي. يلعن، يشتم، يتوعّد، يُهدّد ويفتح هاتفه الخليوي ليسجّل مواقف مدويّة على صفحات التواصل الاجتماعي. يقع في هذه الأثناء على إعلان لتصفية على البضائع في أحد المتاجر التي تبيع علامات تجارية عالمية، يهرع إلى هناك ويحجز لنفسه مكانًا في الطابور الطويل 

 المشهد ليس سورياليّا، إنه لبنانيّ بامتياز. نجمة جديدة تعلّق على صدر هذا الوطن إلى جانب أكبرصحن حمص      

صفقة مع عزرائيل

لم يبق أمامي سوى الله ليجيبني على جملة الأسئلة التي تطحن في رأسي وتكاد تفقدني صوابي. دوّنت هذه الأسئلة على دفتر الملاحظات لأسأله بشأنها حين نلتقي، وما دمت مواطنة لبنانيّة مقيمة في ربوع الوطن، فإن اللقاء مرجح في أيّ لحظة. إنّه في الواقع سؤال جوهريّ يمكن أن أختصر به كلّ ما أود مناقشته مع الله بسبب ضيق الوقت وخصوصًا أن الصفّ خلفي قد يكون طويلًا. سأسأله: من أيّ طينة صنع السلطة السياسيّة عندنا في لبنان؟ هل ثمّة عجنة خاصة تختلف في تركيبتها عن العجنة المعتمدة لصناعة سائر المواطنين الآخرين؟ هل غفل عن إضافة المواد التي تحرّك الحواس الخمس مثلًا؟ وماذا عن الشعور؟ هل ينعدم تلقائيّا ما إن يتبوّؤن مراكز في السلطة؟

 هذه بعض الأسئلة التي تقضّ مضجعي عند كلٌ أزمة تواجه لبنان ويتجاهلها السياسيون أو يتعاملون معها كأنٌها لم تحصل أصلًا. تحضر هذه الأسئلة ثم لا تلبس أن تغيب تحت وطأة الضغوطات اليوميّة. لذا، أعمد إلى تدوينها مع تعليلٍ وشرحٍ وافيين حتّى أواجه الله بالأدلة الدامغة في حال استفسر عن أسباب هذه التساؤلات أو أنكر أحقّية طرحها. دفتر الملاحظات مليء بالحجج والأحداث الدامغة التي تؤكد أنّهم مصنوعون من غير طينة البشر.  أحداث لا مجال لذكرها هنا، فكلّ لبناني لديه ما يكفي من التجارب الخاصّة والعامّة التي تخرج هذه المقولة من فضاء الاحتمال إلى عالم اليقين.  أدوية وطعام وماء وهواء فاسد ومسرطن، سرقة ونهب وإفقار وتجويع وبعد… بوقاحة قلّ نظيرها. عينة بسيطة وسريعة تكفي لإصدار أحكام بالسجن المؤبد على كلّ مسؤول لبناني حتّى ولو كان مجرّد شاهد ولكن صامت على تسميم الناس وقتلها.  سأسأل الله عن نوع هذه الطينة، ولماذا خصّ بها الطبقة السياسية عندنا من دون سائر دول العالم؟لماذا؟

في دفتر الملاحظات والأسئلة فتحت قوسين كبيرين يتضمنان أسئلة عن طينة اللبنانيين أنفسهم.  ما هو سرّ قدرتهم على التحمل؟ ماذا عن النسيان ؟ التأقلم ؟ القبول؟ الخضوع؟ هل هي صفات حميدة؟ مميّزات وطنيّة؟ هل تلك هي حقيقتنا أم يتراءى لنا ذلك؟ نظنّ أنّنا أحياء ونحن أموات منذ زمن؟ هل منحنا هذه القدرة لتعذيبنا أم لإعطاء سياسينا مزيدا من السلطة والقوة واللذة ؟ لا سلطة من دون رعايا، ولا قوة من دون ضحايا. هل نحن مجرد عناصر لاستكمال جبروت هذه السلطة التي تستمد قوتها من ضعفنا وعجزنا. سأسأل الله حين نلتقي ولا بدّ له أن يجيبني.

هذه أسئلة ما قبل الانفجار؟ انفجار المرفأ الذي لا بدّ أنّ دخانه وصل إلى عند الله، إلى عقر داره، ولا بدّ أنّ الملائكة أصيبت بالاختناق من شدّته وكثافته. أمّا بعد الانفجار لم يعد لديّ الرغبة في معرفة طبيعة الطينة وموادها الأوليّة. كنٌا نلملم أشلاء ضحايانا، كانوا يتأنّقون أمام مراياهم ويسألونها إن كان ثمّة من يتفوّق عليهم، في هذه المعمورة، في بلادة أحاسيسهم. احترقت دموعنا، وجفّ ريقنا، وأصبحنا جثثًا منها ما هو هامد ومنها ما يسير من دون هوادة (فقط في لبنان تتحرّك الجثث، ما استوجب إضافة هامدة؛ الخطأ الشائع لغويًّا على الجثث لتمييزها) وكانوا يتنافسون على المتاجرة   بالدماء التي سالت أنهرًا في بيروت. كنّا نصرخ بأصوات مخنوقه وأنفاس محروقة، وكانوا يعيدون توزيع الحصص في الوطن الإفتراضي التي قالت الشعارات إنّنا سنعيد بناؤه. كنّا نتظاهر، لا لم نكن نتظاهر، كنّا نبكي ضحايا الأمونيوم ونشيّيعهم وكانوا يرمون علينا الغاز المسيّل للدموع ويصطادوننا بالرصاص الحيّ. صمّوا آذانهم وتابعوا جشعهم كأنّ ما حصل لم يحصل. لم يذرفوا دمعةً واحدة، لم يحضنوا أمًّا مفجوعة، لم يكفكفوا دمعة طفلٍ أصبح يتيمًّا في ثوان معدودة. بكانا العالم وهم يتلفّتون حولهم ويفكّرون كيف سيسرقون المساعدات التي انهمرت على لبنان من كلّ حدب وصوب. سرقوا أعمارنا وأموالنا، جعلونا متسوّلين وجعلوا العالم يُشفق علينا. أي مذلّة هذه!

 “كنا وكانوا” خطّان لا يلتقيان ولن يلتقيا أبدًا. إمّا نحن وإمّا هم.  ولما كانت تلك هي المعادلة الوحيدة المقبولة اليوم، فقد مزّقت كلّ الملاحظات والأسئلة وعدلت عن توجيه أيّ منها إلى الله. قرّرت بعد ٤ آب أن أتوجّه بحديثي إلى

 عزرائيل شخصيًّا.  سأساومه على طريقة الساسة اللبنانيين، سأرشيه، سأدفع له بالعملة الخضراء ليخطف  أنفاسهم واحدًا واحدًا على أن يتلف بعدها الطينة التي صنع منها الله الساسة في لبنان، ويتلف الوصفة حتّى لا تقع في يد ملاك فاسد (ساستنا يفسدون الملائكة)، فيرسلها إلى الطبقة  السياسيّة لتعيد إنتاج نفسها إلى أبد الآبدين.

الثأر: رصاصة في الرأس وأخرى في القلوب المتحجرة

أكثر ما أحتاج إليه الآن هو آلة التحكّم بالزمن. وحدها هذه الآلة قادرة على أن تعيد إليّ بعضًا من توازني المفقود، أن تخرجني من جنوني الذي تسرّب إلى كلّ حواسي، أن تخفّف من شهوة القتل التي تملّكتني منذ حين لتصبح حاجةً مُلحّةً بعد جريمة مرفأ بيروت. صورة واحدة تُسيطرعلى خيالي الإجرامي الذي لم يكن جامحًا يومًا، أنا التي أدفن وجهي بين يديّ كلّما شاهدت القتل والعنف في الأفلام والمسلسلات. صورةٌ واحدةٌ تُسيطر على خيالي الإجرامي وتلازمني ليل نهار وتزداد وطأتها كلّما تكشّف حجم الدمار والأشلاء وفاضت الدموع واختنق البكاء: أحمل مسدسًا وأصوّب على رؤوسهم واحدًا واحدًا، ثمّ أُطلق رصاصةً أخرى على قلوبهم المُتحجّرة بعد أن يسقطوا أرضًا. عندها فقط قد تعلو وجهي الأسود من شدّة الحزن والأسى ابتسامة رضى.
لا أبحث عن آلة التحكّم بالزمن خوفًا من شهوة القتل التي سيطرت على كلّ حواسي، بل أريدها أن تبقى حتّى تحقيق العدالة لأنّ قتلهم كان واجبًا قبل وقوع الإنفجار الإجرامي وأصبح ضرورةً مُلحّة بعده انتقامًا للدماء التي سالت في بيروت، واحترامًا للشهداء التي زُهقت أرواحهم ظلمًا، وتعويضًا على الأحياء الذين أصبحوا أجسادًا بلا أرواح. أحتاج إلى آلة التحكّم بالزمن لا لأن أعود إلى العصر الذهبي في لبنان الذي سمعنا عنه ولم نعشه نحن جيل الحرب والمأساة، جيل الفساد والفاسدين، جيل الذين يبحثون عن الحياة في مكان آخر. لا، ليس هذا ما أسعى إليه. أريد أن أعيد الزمن إلى الساعة السادسة إلّا ربعًا من عصر ذاك اليوم المشؤوم. أريد أن يقف الزمن هناك، وأن نعود الى روتيننا الذي نشكو منه. أريد أن يشكو الناس من زحمة السير على مدخل بيروت الشمالي، لا أن تتطاير أجسادهم وتتحوّل إلى أشلاء. أريد أن ينقطع الإرسال في هاتفي الجوّال حين أمرّ في محاذاة شركة “تاتش” وأتساءل عن هذا اللغز المُحيّر وخصوصًا أنّني أحمل رقمًا من هذه الشركة وليس من منافستها. لا أريد ان أرى المبنى مهشّمًا وأتساءل من نجا من موظّفيه؟ ومن أُصيب؟ وما نوع الإصابة؟ أريد أن أراقب السيارات وأهزأ ممن يضع كمّامة وهو وحيد في سيارته، أو من يُزيلها وهو سائق “فان” مزدحم بالركّاب لا أحد منهم يلتزم بأدنى شروط السلامة الصحيّة. أريد هذه اللحظة! أريد أن أشتم الكورونا وإجراءات الحكومة التي تنمّ عن إرباكٍ وجهلٍ كبيرين. أريد أن نموت بالكورونا لا بالأمونيوم. أريد أن نختار موتنا لا أن يفرضه علينا المجرمون. أريد حين أمرّ في محاذاة شركة الكهرباء أن أرى ظلال والدي الذي عمل فيها جابيًا. أريد أن أذكره وأترحم على طيبته التي دفعته إلى دفع فواتير عن مواطنين لا يملكون ثمن الكهرباء المقطوعة. أريد هذه اللحظة، ولا أريد أن يموت زملاء له في هذه الشركة تحت جدران تهدّمت فوق رؤوسهم. جدران كان يفترض أن تقع على رؤوس كلّ من قطع عنّا التيار الكهربائي لأعوام وأعوام وأعوام وسرق ونهب ودمّر هذا المرفق الحيوي. أريد أن أسأل عن سعر صرف الدولار، وأقارن الأسعار وأشتم الصرّافين والتجّار ومصرف لبنان وحاكمه، وجميعة المصارف ورئيسها.
أبحث عن آلة التحكم بالزمن لأعيده بضع دقائق الى الوراء، فيعود حمد “الابن الطويل والحلو والمحبوب واللي عيونوعسليّات” إلى والدته التي تنتظره، أبحث عن هذه الآلة بإلحاح من أجل خطيب سحر الذي ينتظرها ليستكملا التحضيرات لزفافهما. أريدها من أجل الصورة التي تنبض بالحياة لفوج الإطفاء والتي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي. أريد لأبطال هذه الصورة أن ينشرونها فخورين بمهنتهم، فأضع لهم قلبًا نابضًا لا أن توضع تحيّة لاستشهادهم، فأضع لهم قلبًا داميًا. أبحث عن آلة التحكّم بالزمن من أجل جو ووالدته التي تنتظره حتى يعود من دوام عمله الطويل في إهراءات القمح، أبحث عنها من أجل الذين رحلوا غدرًا ومن أجلنا جميعا نحن الأحياء – الأموات.
أبحث عن آلة التحكّم بالزمن حتى لا أسمعهم يقولون أن بيروت ستولد من جديد. لا أريد لطائر الفينيق أن يُحلّق مجدّدا في سمائنا لأنّه لا يحضر إلّا بعد موتنا. بيروت تموت مع كلّ اغتيال وموت غادر، بيروت تحيا بأبنائها وتموت معهم . روح بيروت امتلأت ندوبًا، فكيف ستحيا؟ كرمى لكلّ الذين رحلوا لا تقولوا أنّ بيروت ستحيا من دونهم. لن تحيا بيروت ما لم يمت كل من أمعن في قتل روحها.
أريد أن أعيد الزمن بضع دقائق الى الوراء، أريد هذا الوقت، احتاجه بعدما أصبحث جثّة تتنفس فقط، أريده حتّى أفرّغ غضبي وأضغط على الزناد، وأقتلهم جميعًا بدمٍ باردٍ وبسمة رضى.

 

 

مطلوب تذكرة سفر باتجاه واحد

قرأنا عن الهجرة حين كنّا أطفالًا. لم تكن قراءة مختارة بل كانت درسًا من دروسنا في المرحلة الابتدائيّة. حفظنا أعداد المهاجرين والدول التي انتقلوا إليها والأعمال التي امتهنوها. درسنا عن الهجرة كجزء أساسيّ  من تركيبة هذا البلد الفريد. في المناسبة، الفرادة كانت أيضًا أحد الدروس التي تعلّمناها في المدرسة، يضاف إليها لبنان الرسالة، وهوعنوان عجز العالم عن فكّ طلاسمه. شكّلت الهجرة حالةً ثابتة، مثل مساحة لبنان وطقسه المعتدل شتاءً والحارّ صيفًا، وفصوله الأربعة، وجباله وبحره، ونظامه الخدماتيّ وخلافه. درسنا عن الهجرة في كتاب الجغرافيا أكثر ممّا درسنا عنها في كتاب التاريخ، ما يعني أنّها لم تكن يومًا حالةً طارئةً أو عابرةً حصلت في حقبةٍ زمنيّةٍ معيّنةٍ، فاقتضت الإشارة إليها حرصًا على الموضوعيّة وتجنّبًا لإخفاء الحقائق مهما بدت مؤلمة (نحن أسياد الموضوعيّة وتوحيد كتاب التاريخ ليس مطلبًا أقدم من التاريخ نفسه!). درسنا عن الهجرة بوصفها مفخرة من مفاخر الوطن، وعن المهاجرين بوصفهم أبطالًا رفعوا اسم لبنان عاليًا، من جبران خليل جبران إلى حسن كامل الصبّاح مخترع الكهرباء الذي تغرق بلاده في العتمة (أحد أوجه الفرادة) وسواهما من الأسماء التي لا مجال لذكرها هنا، فالقائمة طويلة وطويلة جدًّا ولا تستثني من كان جدّ جدّه لبنانيًّا حتّى إن كان المعنيّ نفسه غير مدركٍ أصله الأول، أو غير مهتمٍّ لا بسِيَر أجداد الأجداد ولا بصلة الرحم التي تجمعه بهم. نحن الفخورون بنجاحات اللبنانيّين في المهجر، نتكفّل بأن نبحث عميقًا في أصل وفصل كلّ عبقريّ أو مشهور، وأن نُعلن على الملأ بتباهٍ واعتزازٍ منقطعَيِ النظير، ونُطبّل ونُزمّر حتى لو تبيّن أنّه الحفيد ما بعد العاشر لجدٍّ ذي أصولٍ لبنانيّة. نُصبح جميعنا أنتربولوجيّين وإثنولوجيّين، لنؤكّد أنّ هذا النجاح أو هذه الموهبة أيًّا كان نوعها، فقد نبتت جذورها في بلاد أرز الربّ. سلمى حايك، شاكيرا، الرئيس البرازيليّ السابق ميشال تامر رئيس بلاد الدومينيكان الحاليّ دانيلو ميدينا وسواهم، هم مواطنون لبنانيّون سقطت هويّتهم الأمّ على درب هجرة الأجداد، لكنّ نجاحاتهم ارتبطت بهذه الهويّة، وإلّا فما الذي يبرّرهذا السعي المحلّيّ الدؤوب لفحص الـ “دي أن أي” لكلّ من يسطع اسمه عالميًّا في الأدب أو الفنّ أو العلوم أو السياسة. بمعنًى آخر، لم تقدَّم الهجرة في المناهج المدرسيّة على أنّها خيارٌ سيّئ أو فعلٌ يتمّ بالإكراه، بل بدت أشبه بالحلم وحرّكت لدى كلّ طالب قرأ وحفظ واستظهر قصص المهاجرين الأوائل، الرغبة الجامحة في خوض غمار التجربة. إنّها القيمة المُضافة التي عليه اكتسابها حتى يرقى إلى مستوى أعلى. يلد اللبناني بمهاجرًا بالفطرة، كما تلد رغبة الماروني برئاسة الجمهورية ما إن يتكوّن جنينًا وكذلك رغبة السنّي في ترأس الحكومة أما رغبة الشيعي فما تزال طموحًا مؤجلًا أو بالأحرى غير معلن

قرأنا عن الهجرة أطفالًا في المدرسة، ثم عايشناها شبابًا ومراهقين خلال الحرب. آنذاك، لم تبدُ خيارًا ظالمًا، بل بدت أفقًا جديدًا أكثر اتساعًا ورحابةً من بلاد الأرز التي استحقّت في حينها لقب بلاد البارود والنار. لم يُشفق “الصامدون”  في الوطن، أو بالأحرى الذين لم تُتح لهم فرصة مغادرته، على أولئك الذين يهجرونه، بل ربّما حسدوهم في قرارة أنفسهم. لم يغادر السواد الأعظم منهم تحت تهديد السلاح، لم ينتقلوا في سفن الموت التي يغرق معظمها في البحر كما يحصل مع اللاجئين السوريين والليبيين والتونسيين والأفغان، بل  شكلت مغادرتهم مفخرةً أخرى وتأسيسًا لظهورعباقرة جدد يرفعون اسم لبنان عاليًا، هذا الهمّ الأزليّ الذي ليس له أيّ تفسير منطقيّ أو علميّ. وكلّما ازداد، استطرادًا، منسوب هذا الهمّ كلّما انرلقنا نحو الهاوية. عاش المهاجرون حياةً طبيعيّةً في حدّها الأدنى حتّى لا نقول الأقصى ونُتّهم بالمبالغة. عاشوا حياةً فيها أحلام. عانوا فراق الأحبّة ونوستالجيا الأمكنة والذكريات، ولكن “الصامدون” لم يغرفوا في حينها من نبع السعادة، ولا كانوا يغمّسون الخبز المرقوق في جاط الكبّة النيّة ويرتشفون كأس العرق، ثمّ يُمسكون على الدبكة. عانى المهاجرون من دون شكّ، ولكنّهم كانوا ينفخون صدورهم ويرفعون رؤوسهم عاليًا عندما يتحدّثون عن ابنهم الذي دخل إلى هارفرد أوعن ابنتهم التي تخرّجت من كامبريدج. ولا شكّ أنّ الأجيال القادمة من اللبنانيين ستبحث في شجرة عائلة الوطن وتفتخر ذات يوم بانجازاتها. حتّى الذين ذهبوا باتجاه القارّة السمراء حصدوا ما يرغبون في التباهي به، بيوت بل قصور ومال وذهب وألماس وسيارات فارهة. لا شكّ في أنّ المهاجرين عانوا، ولكنّهم غادروا طواعية بحثًا عن ترقٍّ اجتماعيّ وعلميّ وماليّ. عانى المهاجرون لكنّهم لم يكونوا لاجئين سياسيّين؛ بكى المهاجرون واشتاقوا لكنّهم لم يكونوا منفيّين. وهنا يكمن الفرق كلّ الفرق. استطرادًا، الهجرة  ليست امتيازًا لبنانيًّا ولا ضريبةً يدفعها اللبنانيّ دون سواه. إنّها آفة المجتمعات الفقيرة ودول العالم الثالث الذي ينتمي إليه بلدنا الحبيب، (بلد الفرادة والرسالة) رغم أنّ أبناءه يرطُنون باللّغات الأجنبيّة ويتفوّقون دائمًا على أنفسهم   

أقول لكلّ من ينظّر في أهمية الصمود وضروراته، لكلّ من غادر البلاد وعاد إليها بعد أن اطمئنّ إلى مستقبله ومستقبل أولاده، لكلّ من وضع جواز سفر أجنبيّ في جيبه ليضمن ألّا يموت على باب المستشفى، أقول لكلّ هؤلاء صمودكم اليوم هو لزوم ما لا يلزم. هو ليس صمودًا بل موقفٌ ومزايدةٌ لا قيمة لهما سوى استفزاز من لم يغادر الوطن لأنّه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وعندما أراد أن يفعل جاء من يقول له: لا،لا تستسلم، لا يجوز، اصمد! الغربة قاسية وطعم التبّولة فيها “غير”! لهؤلاء أقول: مزّقوا جوازات سفركم الثانية، واصمدوا بعدها وناضلوا قدر ما تشاؤون، اجعلوا لصمودكم معنًى حقيقيًّا وليس فلوكلوريًّا، وإلّا فاصمتوا ولا تنتقدوا كلّ من يُفكّر اليوم في الهجرة. بلى، كانت الهجرة خلاصكم؛ لا تنكروا هذه الحقيقة. ونحن بقينا ليس لأننا نحب الوطن أكثر منكم، وإذا ادّعينا ذلك، فنحن نزايد عليكم بقدر ما تزايدون أنتم علينا. وحتى ننجح في أن “نفهم على بعض”، لا بدّ من أن نتبادل الأمكنة، اصمدوا في الوطن واشبعوا منه ودعونا نذهب نحن بدلًا منكم لنعيش تجربة المعاناة في المهجر. فلنتبادل الأدوار إذن

نلطم على الهجرة ولا نذهب إلّا عند الطبيب “خريج بلاد برّا”، نلطم على الهجرة ونزيّن جدران بيوتنا ومكاتبنا في كلّ مهننا بمهارات اكتسبناها في الخارج. نلطم على الهجرة ونروي عن إنجازات أبناء شعبنا العظيم في المهجر، نلطم وسنلطم أكثر بل سننتحب في حال مُنعنا من الهجرة حتّى لو تحوّل بلدنا إلى جنّة على الأرض. نحن مهاجرون بالفطرة، بالجينات، وبلدنا محطة ومرقد عنزة وكلمات في أغنية وطنية فقط لا غير

لا يندرج موقفي هذا في سياق تبنّي (أو الدفاع عن) الشريط التسيجيليّ الذي روّج للهجرة، وانقسم إزاءه البلد إلى وطنيّين وغير وطنيّين، ودار الردح لأيام وليالٍ، فإمّا أن تكون مع أو تكون ضدّ، فلا رأي ثالث في هذا الموضوع كما في كلّ القضايا في وطننا الحبيب، من الأكثر تفاهةً إلى الأكثرعمقًا وتعقيدًا (نموذج آخر للفرادة والرسالة). ورغم أنّني من أكثر المتحمّسين لمغادرة البلاد، ورغم أنّني أقول وأردّد أن الطابور الوحيد الذي سأقف فيه يومًا هو الطابور أمام شبّاك التذاكر لشراء تذكرة ذهاب من دون إياب، لم أشعر بالتماهي مع هذا الشريط التسجيليّ. لم أتأثّر، لم أتفاعل، لم أحزن، أسفت فقط على تدنّي المستويين الفنّي والمهنيّ للعمل. شعرت أنّه شريط تسجيلي دعائيّ للبنان بالاتجاه المعاكس، شريط يعتمد على نفس القاعدة الترويجيّة الكلاسيكيّة لأيّ منتج. لا يختلف منطق هذا الشريط عن الإعلانات الترويجيّة التي تبثّها وزارة السياحة فتُظهر قلعة بعلبك من دون محيطها البائس، أو سوق البترون من دون مشروع سلعاتا، أو آثار صور من دون التحليل والتحريم، أو قلعة صيدا من جبال النفايات المجاورة لها، وأسواق طرابلس من دون باب التبّانة وجبل محسن. يدعو الشريط إلى الهجرة على لسان أناس (مع احترامي وحبّي الكاملين لعايده صبرا وزكي محفوظ) يملك معظمهم خيارًا ثانيًا أصلًا. يُشبه هؤلاء في حديثهم المهاجرين _العائدين الذين يقولون لنا: اصمدوا. أقول لهم في المقابل إذا كانت لديكم القدرة على الهجرة فارحلوا، واحترموا مشاعر من لا يملك هذا الخيار. لم أنسَ استفزاز الشريط التسجيليّ إلّا حين سمعت الغيارى يقولون: الوطن ليس فندقًا. بالطبع هو ليس فندقًا، لأنّك في الفندق تحصل على إقامةٍ مُحترمةٍ مقابل ما تدفع لأجله. يا ليت لبنان كان فندقا، فلو كان ما كنت لأفكّر في أن أرحل عنه يومًا، ولا كنت لأندم أشدّ الندم على عدم مغادرته حين أتيحت لي الفرصة. لبنان ليس فندقًا ولا يرقى حتّى إلى مستوى مزرعة، لبنان شيء هجين ما من تسمية تفيه حقّه. وأن تغادر هذا الشيء الهجين لا يعني أنّك  جبانًا أو متخاذلًا، بل محبًّا للحياة تحت عنوان مهاجر

اللعنات ستلاحقكم حتّى جهنّم

اصمتوا جميعكم. اصمتوا صمتًا مُطبقًا. لا تتفوّهوا بكلمة أو بحرف. لم يعد أحدٌ يرغب في سماعكم. أصواتكم، تصريحاتكم، كلامكم الأجوف بات أشبه بحفلات التعذيب في السجون. وقعه أسوأ من صوت نقطة ماءٍ على صفيحٍ بارد. اصمتوا فقط. خذوا مناصريكم وجماعاتكم، خذوا كلّ من لا يزال يصدّقكم، خذوا كلّ من لديه القدرة على تحريك يديّه للتصفيق لكم بدلًا من رجمكم، خذوهم إلى قاعات مقفلة أو ساحاتٍ بعيدة واكذبوا عليهم قدرما تشاؤون

اصمتوا جميعكم لأنّ للعهر حدود. احفظوا ماء وجهكم إن كان ثمّة ما تحفظونه بعد. اصمتوا ولا تفتحوا أفواهكم إلّا لتعترفوا أنكم سرقتمونا ونهبتمونا ودمّرتم البلاد والعباد ولا تزالون مستمرّين بكلّ وقاحة رغم أنّه لم يعد هناك ما تسرقونه. لقد جفّفتم الينابيع واستوليتم على الموارد وأغرقتم البلاد في ديونٍ ستحتاج إلى أكثر من جيلين وربّما ثلاثة لإيفائها

اصمتوا جميعكم لأنّنا لا نحتاج إلى سماع اقتراحاتكم الفارغة وحلولكم الخاوية ومشاريعكم البائسة ووعودكم الكاذبة التي لن تنتشل البلاد ممّا هي فيه، بل ستزيدها غرقًا لأنّ المطلوب ليس حلولًا ترقيعيّة أو مقاربات تجميليّة بل تغييرًا جذريًّا يبدأ بصمتكم أولًا ورحيلكم أولًا وثانيًا وثالثًا وعاشرًا. رحيل يشمل السلطة بكلّ أطيافها ومكوّناتها وأصولها وفروعها السابقة والحاليّة. رحيل لا يستثني السلطات التي تعاقبت على الحكم في لبنان والتي، وهنا الطرافة، تلعب دور المعارضة اليوم وتنتقد بوقاحة مُستفزّة كأننا كنّا نعيش في زمنها القريب في سبات ونبات وننعم بالبحبوحة والازدهار ونتميّز باقتصادٍ منافسٍ وبيئةٍ خلابّة لم تصل فيها رائحة النفايات إلى دول الجوار وربّما أبعد من ذلك. رحيلٌ لا يقتصرعلى أرباب السلطات المتعاقبة فحسب، بل يشمل الأولاد والأحفاد الحاليين والمحتملين والأقارب وكلّ من يمت لهم بصلة دم. رحيل يشبه ما فعله هيرودس حين أمر بقتل جميع الاطفال من عمرالسنتين وما دون في بيت لحم وجوارها بعدما جاء المجوس من المشرق يسألون عن المولود، ملك اليهود. رحيل يضمن أرضًا نظيفة لا يلوّثها أحد من سلالتكم. تلك تكون بداية الخلاص

img_4614

اصمتوا جميعكم واخجلوا إن كنتم تعرفون للخجل معنًى. أنهكتم الشعب بخلافاتكم على حصصٍ ليست لكم أصلًا. استخدمتم سياسة فرق تسد، فقسّمتم البلاد والعباد أفقيًّا وعموديًّا وبكلّ الأشكال الهندسيّة ليصبح أيّ عنوان مهما بدا تافهًا موضوع سجال لا ينتهي. حجّمتم أحلام المواطنين وطموحاتهم ليُصبح أقصاها الحصول على تيّارٍ كهربائيّ من دون انقطاع. جعلتموهم يلهثون وراء قوتهم اليوميّ ليبدو كلّ من يفوز به بطلًا. قوتٌ يُسقطون منه يوميًّا صنفًا جديدًا بسبب غلاء سعره. قوتٌ تخلّى عن طبق الكبّة النيّة التراثي والمشاوي ليوم الأحد واللحوم عمومًا لسائرأيام الأسبوع. استنزفتم طاقة المواطنين على توافه الأمور حتّى خارت قواهم ولم يعد لديهم مطلب سوى الإفراج عنهم ليرحلوا عنكم ما دمتم ترفضون الرحيل عنهم. اصمتوا جميعكم واخجلوا إذا كنتم تعرفون معنًى للخجل، فأنتم لا تحقّقون المراتب الأولى سوى في الفساد والسرقة وهدر المال العالم، وتحتلّون المراتب الدنيا في كلّ ما له علاقة بالتطور والتقدم وحفظ كرامة الإنسان. حوّلتم لبنان إلى بلدٍ متسوّل ينتظر المساعدات التي تتقاسمونها في ما بينكم قبل أن يحصل عليها. سمعتكم السيئة باتت حديث الصالونات والأروقة الدوليّة. تتعرّضون للمساءلة القانونيّة الدوليّة بشأن سرقة المال العام، وتتذاكون على المجتمع الدولي كما تذاكيتم طوال عقودٍ على الشعب اللبناني. مبروك من القلب! لقد بتّم مدرسة في الفساد تستنبطون نظريّات جديدة في الاقتصاد وتسنّون قوانين غرائبيّة لنهب ودائع المواطنين بوقاحةٍ وتعالٍ قلّ نظيرهما. سجلّنا العدلي بات موسومًا بعاركم. تخشى دول العالم استقبالنا خوفًا من أن نمزّق جوازات سفرنا ولا نعود إلى بلادنا، بلاد الأرز. يحصل كلّ هذا وأكثر، وأنتم تتلفّتون حولكم وترفعون رؤوسكم في الهواء وتصفّرون وكأنّ هذه التهم تعني سواكم! من أين تستمدّون هذه الوقاحة؟ أيّ نوع من الطعام تتناولون وأي هواء تتنفّسون حتّى أصبح  جلدكم أكثر سماكة من جلد التماسيح؟

اصمتوا جميعكم، بل اقطعوا نفس لأنكم كلّ ما تفوّهتم خسرتم من رصيدكم الذي أصبح تحت الصفر. طأطئوا رؤوسكم كما يفعل السارقون. وهذا الرذاذ الذي تشعرون به ليس شتاءً في عزّالصيف، بل هو بصاق الموطنين الذين ستلاحقكم شتائمهم حتى القبر. لن يكتب عنكم التاريخ بل سيكتب ضدكم. لا حاجة لكتابة تاريخ لبنان الحديث أصلًا، إذ يمكن اختصاره بعبارة واحدة: وقد حكم لبنان زمرة من السارقين والفاسدين اعتبارًا من مطلع التسعينيّات، نهبوا خيراته وأفلسوه وماتوا بداء الجشع والتخمة بعدما حاولوا اقتسام الشمس فاحترقوا بنارها

اصمتوا جميعكم وأنتم في طريقكم إلى جهنّم وعزاؤنا الوحيد أنّنا لن نلتقي بكم، سنكون في الجهة المقابلة نراكم تحترقون بنار جشعكم ولا نلوّح لكم بأيدينا

حوار متخيّل بين الله وملاك لبنان الحارس

  

مضى وقتٌ طويلٌ لم أسمع منك جديدًا عن أخبار لبنان، يبدو أنّ الوضع مستقرٌ هنا

لا يُعلّق الملاك، بل يكتفي بهمهمةٍ غير مفهومةٍ مُبقيًا رأسه مُنخفضًا، ممّا يثير استغراب الله فيعيد السؤال

            ماذا، هل هناك ما فاتني فعلًا

ثمّ سرعان ما يتنبّه فيقول

             آه، تقصد فيروس كورونا، ولكنّه وباء عالمي ولا أظنّ أن ثمّة ما يشغل البال في لبنان أكثر ممّا هو عليه الوضع في دول العالم

هنا يستجمع الملاك كامل قواه ويقول

               بلى، الوضع في لبنان مختلف

يضحك الله ويقول للملاك

لقد فهمت قصدك، يتمتّع اللبنانيّون بحسّ الفكاهة ويُضاهون أحيانًا المصريين في تحويل المأساة إلى طرفة، ولا بدّ أن الأمر يُسلّيهم في حجرهم المنزلي، وأتوقع أن تُزوّدني ببعض طرائفهم، فهي غالبًا ما تضحكني

يعقّد استنتاج الله الموقف، ويزيد من إرباك الملاك الذي يتنهد طويلًا ويقول بعد أن يحثّه الله على فعل ذلك

  ليس هذا ما عنيته في حديثي، وإن كنت لا أخالفك الرأي، ولكن لا أعرف كيف أقولها لقد اختلف اللبنانيّون مجدّدًا طائفيَّا ومذهبيًّا ومناطقيًّا

قاطع الله الملاك وقد بدت عليه علامات الدهشة والاستغراب

 ماذا؟ هل أنت واثقٌ ممّا تقول؟ لا، لا…لا أصدّق ذلك. يُفترض بالمصيبة أن  تجمع لا أن  تفرق، هذا ما حرصت عليه حين خلقت بني البشر

                 إلاّ في لبنان، أجابه الملاك وقد علت محيياه علامات الأسى

أعاد الله السؤال محاولًا أن يُقنع نفسه أن الملاك أساء التعبير أو ربما ألتبس عليه الأمر

هل أنت متأكد ممّا تقول؟ أوليس اللبنانيّون هم الذين صنعوا السلسلة البشرية وأمسكوا بايدي بعضهم من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب؟ رغم أنّ المشهد بدا فلوكلوريًّا في حينها، ولكنّني قلت في نفسي لقد نجح اللبنانيّون أخيرًا في تجاوز كلّ مشاكلهم الطائفيّة والمذهبيّة وسوف يبنون لبنان الجديد … من أين جئت  بعبارة لبنان الجديد، تمتم الله متفاجئًا بما بدر منه

من عند الرحابنة أجابه الملاك الذي استعاد حيويّته بعدما أزال الاعتراف الثقل عن كهله  هذا الـ لبنان موجودٌ فقط في أعمالهم المسرحية وأغانيهم التي يردّدونها قبل جولات العراك وفي أثنائه ومن بعده

تنهد الله عميقًا وطلب من الملاك أن يُخبره بالتفصيل كيف اختلف اللبنانيون بشأن فيروس كورونا

جماعة 14 آذار يقولون أن مصدره إيران وجماعة 8 آذار ينكرون ويدافعون

   قاطعه الله بنبرةٍ غاضبة

ماذا قلت ؟ 14 و8؟ ألم تخبرني في آخر لقاء أنّ هذه  التقسيمات إلى زوال بعدما جاء 17 تشرين ووجّه لهم ضربةً موجوعة؟

يبدو أنّني بالغت في التفاؤل أجابه الملاك، وقد بدت عليه علامات الخجل والارتباك. هزّ الله رأسه في إشارة إلى الملاك ليفرغ ما في جعبته، فأخبره الأخير كيف عزّز فيروس كورونا الانقسام الطائفي والمناطقي، وكيف رفض نوابٌ في البرلمان عزل منطقتين مسيحيّتين ارتفعت فيهما نسبة الإصابات ما لم تُعزل في المقابل منطقتين مسلمتين

   ستة وستة مكرّر حتّى في التعامل مع وباء يُهدّد العالم، تمتم الله محاولًا أن يكتم غيظه

صمت الملاك قليلًا محاولًا أن يتبيّن موقف الله ممّا سمعه، والأهم أن يعرف إن كان يرغب في سماع المزيد. أومأ إليه الله في إشارة من رأسه لمتابعة حديثه رغم حنقه واستيائه الشديدين. أخبره الملاك أنّ الأحزاب الطائفيّة عادت بقوّة للعمل على استمالة الناس إلى صفوفها من خلال اللعب على الوتر الطائفي، وقد وصلت وقاحة بعضها إلى صناعة كمّامات تحمل إشارة الحزب، كما روى له أنّ سكّان منطقة الطريق الجديدة اعترضوا على إقفال القوى الأمنيّة للمطاعم والمقاهي في منطقتهم وقالوا: إذهبوا وأقفلوها في الضاحية الجنوبية قبل أن تأتوا إلينا. استشاط الله غضبًا وصرخ بأعلى صوته

ما هذا؟ لا أصدّق ما تسمعه أذنيّ! هل أنت متأكد ممّا تقوله؟ هل تتحدّث فعلًا عن الشعب اللبنانيّ، أم أنك ضللت طريقك وذهبت إلى كوكب آخر وصادفت شعبًا ظننت أنّه الشعب اللبناني؟

كان الله يقلّب بيديه، ويهزّرأسه، ويحدّث نفسه متسائلًا إن كان قد خلق اللبناني من طينة مُختلفة عن سائر البشر: “هل أخطأت في الطبخة مثلًا؟ ولكن مهلًا أنا خلقت الإنسان، ولم أخلق شعوبًا منفصلة بعجنات مختلفة. ما هذا؟ هل سأشكك بنفسي بسبب اللبنانيين؟

استفاق الله من شروده على صوت الملاك الذي كان مستمرًا في سرد الاخبار، وقد بدا على عجلة من أمره في إنهاء  هذه الجلسة وخصوصًا أنّ ليس في جعبته خبرٌ واحدٌ مفرحٌ، سمعه يقول

اختلفوا في تقييم أداء وزير الصحّة

شهق الله من شدّة الدهشة، فسارع الملاك إلى شرح المسألة على أمل أن يُخفّف ذلك من غضب الله، وهو أمرٌ مستبعدٌ بطبيعة الحال. أخبره إلى أن أنصار الوزير كادوا أن يصنعوا له تمثالًا تقديرًا لجهوده في محاربة كورونا، في حين أن المعترضين على الحكومة لم يروا حاجةً لشكره أو حتّى لتوجيه تحيّةً له على اعتبار أنّه يقوم بواجبه ولا شكر على واجب

نهض الله عن عرشه، وقد بلغ حنقه أعلى الدرجات، وصرخ بانفعالٍ هرع على أثره عددٌ كبيرٌ من الملائكة إلى القاعة حيث يتواجد الله مع الملاك الحارس للبنان

ما حاجة الوزير إلى تمثال؟؟ ثمّ ما العيب في توجيه تحيّة شكرٍ وعرفان للوزير حتّى ولو كان يقوم        بواجبه. أوليس اللبنانيّون هم من يمدحون رئيس الوزراء الكندي ليل نهار ويتغنّون بإنجازاته التي لا ناقة لهم  فيها ولا جمل، علمًا أنّه لا يفعل سوى ما يميليه عليه واجبه. ما هذا الإنفصام؟

تراجع الملاك خطوتين إلى الوراء، وكان يهمّ في الانحاء في إشارة إلى أنّه أنهى تقريره عن لبنان حين استمهله الله وسأله

أين هم جماعة 17 تشرين؟ أين هم صنّاع الانتفاضة؟ ماذا يفعلون؟ ولماذا لا يتحرّكون؟

أجابه الملاك بنبرةٍ حزينةٍ

أخشى أن تكون هذه الثورة قد دُفنت في مهدها

قاطعه الله

ما هذا التشاؤم؟ درب النضال طويل ويحتاج إلى مثابرة، لماذا هذا النفس الانهزامي؟

بكى الملاك، وقال

يبدو أن فيروس كورونا قضى على الثورة، إذ أن اللبنانيّن انطووا مجدّدًا في أحضان طوائفهم عند أول استحقاق يواجهونه. انقسموا وتفرقوا وعادوا الى نغمة التخوين وتبادل الاتهامات. لقد أهدروا فرصةَ تاريخيّة في إنقاذ لبنانهم من المُستنقع الذي يغرق فيه منذ ثلاثين عامًا

كان الله يذرع الأرض ذهابًا وإيابًا والملاك يبكي بصمتٍ مطأطأ الرأس، سأله الله

هل يُعقل ألا يكون بين جماعة 17 تشرين أناس صادقون؟ لقد رأيت مشهدًا مؤثرًا جدًا في أيام الثورة الأولى، أين ذهب هؤلاء؟ انتصرت عليهم الطائفة وهزمهم الزعيم؟ هل هذا ما يُفترض أن استنتجه من كلامك؟ ألم يرفعوا شعار “كلكن يعني كلكن”، بالمناسبة لم يعجبني هذا الشعار، وجدته “كليشه”، ولكن قلت لابأس به في الوقت الحالي ما دامه قادر على حشد الناس

كفكف الملاك دموعه وأخبر الله كيف أن الأحزاب الطائفيّة والزعامات السياسيّة تغلغت بين المتظاهرين واستغلت الثورة وحوّرت أهدافها. خاف المواطنون: منهم من انكفأ وعاد إلى بيته مُحبطًا، منهم من التحق مجدّدًا بطائفته وحزبه وزعيمه، وقلّة قليلة جدًا ما تزال تعمل وتناضل وتؤمن بالثورة. هؤلاء صفقوا لوزير الصحة حين وجب ذلك وانتقدوا الحكومة بقساوة حين لمسوا أّنها تحاول تمرير مشاريع من تحت الطاولة. هؤلاء فقط يعطون كلّ ذي حق حقّه، ولكنّهم قلّة قليلة وأخشى عليهم من أن تبتلعهم نيران الطائفية والمذهبيّة والزبائينيّة المستعرة من حولهم

أطرق الله مُفكّرًا بعد أن جلس على عرش مجدّدًا واتكأ على عصاه، وسأل الملاك

الحل؟ هل لديك تصوّرما؟

هزّ الملاك رأسه بخجلٍ وأجاب الله

لقد استوحيته من إحدى الطرائف التي تداولها اللبنانيون في عصر الكورونا. لقد رفعوا صورة لعزرائيل يدعو المواطنين للخروج من بيوتهم لأنّه ينتظرهم في الخار

قهقه الله عاليًا وكلّما حاول أن يستجمع قواه غرق مجدّدًا في الضحك

رهيبون هؤلاء اللبنانيين، من أين يأتون بهذه الأفكار

ثمّ غرق الله في موجة جديدة من الضحك، قبل أن ينادي على الملاك عزرائيل ليُرسله في مهمة مستعجلة إلى لبنان يخطف خلالها أرواح السياسيين والطبقة الحاكمة وكلّ من تسوّله نفسه أن يحتمي بطائفته أو يسوّق للخطاب المذهبي. سأل الله الملاك

هل لديك اقتراحات تقدّمها لعزرائيل؟

ابتسم الملاك، وقد غمرته فرحة عامرة

بكل تأكيد، أصحاب المصارف أولًا وتكر بعدها السبحة

سأل الله الملاك

            هل لديك شيء تضيفه

أجابه

            أود أن أنهي خدماتي في لبنان

أنتظر وحسب

أمّا وقد دخل الحجر المنزلي أسبوعه الرابع، يُمكنني أن أؤكد لكم أنّه لم يكن ممتعًا على الإطلاق، بل قابضًا على الأنفاس والمزاج، ومُدمّرًا لخلايا الجهاز العصبي من دون رحمة. أدركت الأمر منذ اليوم الأوّل، ولكنّني آثرت الصمت تجنبًا لتهمة بثّ الطاقة السلبيّة والتعرّض لمُعاقبة قاسية على صفحات التواصل الاجتماعي يُنفّذها بحقّي جيش الطاقة الإيجابية. رغم أنّ التهديد ما يزال قائمًا، أظنّ أنّ الرغبة في البوح بحقيقة مشاعري وهواجسي تستحقّ بعض المجازفة

لا أدري فعلًا إذا دخلت في الأسبوع الثالث أم الرابع من الحجر. لم أعد أحسن احتساب الأيام، فالعلامات الفارقة التي استنبطها من حركتي اليوميّة واستخدمها لتنشيط ذاكرتي، سقطت كلّها دفعة واحدة في زمن العزل الكوروني. لا أميّز الأيام ولا أعرف متى يبدأ الأسبوع ولا متى ينتهي. لعلّها المرّة الأولى التي أفكّر في شكل الأسبوع فلا أراه سوى دائريّا، أمّا الأيام فأتخيّلها خطّا طويلًا لا أميّز نهايته. أنظر إلى الساعة لمامًا، وقد لا أنظر إطلاقًا. أنساها أو أتناساها، لا فرق، مرميّة في إحدى زوايا البيت. هذه الزوايا التي أُدرج التنقيب فيها وتأمّلها ضمن قائمة”فوائد الحجروإيجابيّاته“. لم أجد شخصيًّا أيّ فائدة للحجر سوى الحؤول دون إنتشار فيروس كورونا وحماية حياة أهل هذه الأرض بدءًا من الأكثر قربًا وصولًا إلى الأكثر بعدًا في المقلب الآخر من الكوكب حيث كنت أخطط للسفر في صيف هذه السنة المنكوبة. لا أقلّل من أهمية هذه الفائدة ولا أعارض موجباتها، بل أرى أنّها الفائدة الوحيدة المُهمّة التي تستحقّ من دون نقاشٍ أو استثناءات عناء العزل المنزلي، وكلّ ما عدا ذلك من إيجابيّات ليس سوى تجميلًا زائفًا ومُفتعلًا يرفع مستوى التوتّر، توتّري، إلى أقصى درجاته. لا أرى النصف المُمتلىء في هذا الكوب، كوب العزل، وتفعل فيّ الدعوة إلى استنباط الإيجابيّات أو اختراعها فعل المُسكن مع الألم، فما إن ينقضي مفعوله حتّى يعود مضاعفًا. حاولت أن أدخل لعبة الإيجابيّات، بل أن أستمتع بالإقامة الجبريّة عملًا بالنصائح التي يبثّها جيش الطاقة الإيجابيّة، ولكن من دون جدوى. وغالبًا ما كانت تأتي النتائج بمفمعولٍ عكسيّ لترفع منسوب الإحباط والكآبة مع حلول المساء. لا أُخفي سرًا، حين أقول إنّني كنت عضوًا فاعلًا في هذا الجيش قبل حقبة الكورونا، ورفعت حتّى الأمس القريب شعار ”الحياة ما بتستحق هلقد قهر“. أخال، وأنا أكتب هذه السطور، أنّ هذا الشعار نفسه هو مصدر قلقي واكتئابي واستيائي، فالكورونا هو القهر الذي لا تستحقه الحياة في معناها الواسع والشامل. يُصبح القهر مُضاعفًا في ظلّ تجميل القبح (العزل المنزلي) والتذاكي لإنتاج حياة مُصطنعة تُشبه وجه امرأة فعلت فيه عمليّات التجميل والسيليكون فعلها المقيت وحوّلته لعبة جفصين باردة، خالية من أيّ انفعالات أو تعابير إنسانيّة. لا يبدو هذا الكلام شعبيًّا، ولكنّه يعكس حقيقة مشاعري التي تتلهّى بي ليل نهار

 إ”فرحو في العزل، اكتبو في العزل، إقرأو في العزل، شاهدو الأفلام في العزل، إطهو في العزل، نظّفو بيوتكم في العزل…“ دفعة النصائح هذه التي لا يتوانى جيش الطاقة الإيجابيّة عن بثّها على مدار الساعة، تثير حنقي وتستفزّ سخريتي إلى حدودها القصوى. فحين تتحوّل المتع الصغيرة (باستثناء التنظيف والطبخ اللذين لم أعتبرهما يومًا من المُتع) إلى فعل أمرٍ فرضه الواقع تسقط عنها صفة المُتعة لتصبح واجبًا، وهو الصنف الذي لا أحسن التعامل معه وأفشل عند المحاولة فشلًا ذريعًا. أقرأ حين يحلو لي، وكذلك أفعل فيما يخصّ الكتابة أو مشاهدة الأفلام، أو حتّى في التواصل مع الأصدقاء الذي لا ألمس حلاوته إلّا حين يكون حيًّا ومُباشرًا. أنعزل عندما أرغب في ذلك، كثيرًا ما فعلتها ولا بدّ أن أفعلها طوعيًّا، مرارًا وتكرارًا، في حال نجوت من وباء الكورونا. لعّل الأمر مرتبطٌ بالمزاجيّة التي تغلب على طباعي وبالرغبة الدائمة في التفلت من كلّ القيود. أهرب من السائد والمألوف وأبحث دائمًا عن الإختلاف، أنسحب من القطيع لأغرّد خارج سرب التنميط ليس بنيّة التمايز ولكن تلبيةً لرغبةٍ داخليّةٍ جامحةٍ بالرفض الدائم لما يحظى بالإجماع. تمرّد طفولي ربّما أبى أن يغادرني

تبدو الدفعة الأولى من نصائح جيش الطاقة الإيجابيّة أكثر رأفةً وقبولًا وتحمّلًا من الدفعة الثانية التي تتجاوز الاقتراحات العمليّة لتمضية الوقت إلى الدعوة للتأمّل الوجودي. هنا تقع الطامة الكبرى! وهل فعلًا يحتاج الناس إلى وباء ليطرحوا على أنفسهم الأسئلة الوجوديّة؟ وهل أعطي الكورونا وكالةً حصريّةً للتحفيز على التفكير ومن بعدها مباشرة المسامحة والتسامح. وماذا عن كلّ الويلات التي عايشها الجيل الذي يشهد على كورونا اليوم، ألم تكن كافيةً لإجراء التمرين الوجودي؟؟؟ لعلّ أكثر ما سمعته أو قرأته في هذا الإطار سذاجةً، القول إنّ العالم سيتغيّر بعد الكورونا، وسيصبح البشر أكثر إنسانيةً، وسيتعلّمون الدرس الذي لقّنتهم إيّاه الطبيعة. أقول: هراء، وأفضّل هنا التعبير بالإنكليزيّة ”بول شيت“. العالم يزداد وحشيةً لا إنسانية. وكلّ وباءٍ يُمعن أكثر فأكثر في كشف الجانب الوحشي لدى بني البشر. نظرة سريعة في زمن الانتظار إلى التاريخ القديم والحديث، أو ربّما الاكتفاء بحادثة إقدام بعض الدول على سرقة الكمّامات من درب دول أخرى تؤكد أنّ تفعيل الإنسانية  في أزمنة المصائب والأوبئة هو محض هراء. غدًا حين ينتهي كورونا، ستعاود البشريّة إلى ممارسة عدائيتها من حيث انتهت في المشهد قبل كورونا، علمًا أّنها لم تنفك عن فعل ذلك أثناء الوباء

فكّر، عزيزي المعزول بنفسك، بإخفقاتك الكثيرة ونجاحاتك المحدودة، بأحلامك وطموحاتك، بالأذى الذي ألحقته بالآخرين أو الأذى الذي ألحقوه بك. فكّر من أنت؟ من تكون؟ وماذا تريد؟ فكّر بالخلق والنجوم والمجرّات ولا تنقطع عن التفكير حتّى لوأدّى بك الأمر إلى الخروج مجنونًا من العزل، المهم أن تخرج، وهنا تكمن روحيّة مفاهيم الطاقة الإيجابيّة. حسنًا، ولكن ماذا عن الذين سبق أن أنهوا هذه المهام التفكيريّة، وأنا واحدة منهم؟ ماذا نفعل؟ هل نعيد التفكير، انطلاقًا من أنّ في الإعادة أفادة!!! لقد سبق أن فكّرت وفكرّت كثيرًا. تصالحت مع نفسي، ومع ناسي، ومحيطي، ومجتمعي، ومع الكون. قبلت الآخر وتركت له حريّة أنا يقبلني أو يرفضني متفهمةً خياره. أيقنت أنّ الشعار الذي رفعته يومًا: ”الحياة ما بتستحق هلقد قهر“ ذو فعاليّة مستدامة. ولأنّ الحياة على ما هي عليه قرّرت أن أعيشها ولا أهدرها على توافه الأمور، أن أستغل كلّ لحظة وأجعلها لحظة حياة وحياة فقط. جاءت كورونا لتعيق تفكيري الإيجابي، لتجمّده، لتسرق أيامي التي كنت أنوي أن أسرق لحظاتها الحلوة، ماذا أفعل؟ أنتظر وأنتظر فقط لأغتنم فرصة الحياة مجدّدًا. أنتظر بشوقٍ لأن أراقب صخب الحياة من على شرفة منزلي و ألوّح لها بيدي، ومن ثم أتابع قراءة رواية ما بين يديّ. أنتظر من دون إطلاق دعوات الحب والحنان واستحضار فائض العواطف لأغمر به كلّ من هم حولي فعليًّا وإفتراضيًا. لم يُحفزني فيروس كورونا على فعل ذلك. لقد عايشت ظروفًا أكثر صعوبةً وتعقيدًا وكانت أكثر كفاءة في استنفار منظومة مشاعري بعفويّةٍ وصدقٍ تاميْن. تخليّت عن توافه الأمور قبل حقبة كورونا، تعلّمت استخدام الأذن الطرشاء في الاستماع إلى ما لا يعجبني، أتقنت عدم خوض نقاشات بيزنطيّة، ومرّنت نفسي ولا أزال على الابتسام بدلًا من الردّ الذي لا أرى منه طائلًا في مواضيع خلافيّة. لم أفعل ذلك وأنا أنظر إلى السقف بانتظار القضاء على وباء كورونا، أو وأنا أستجلب سعادة مُزيّفة واحتفاليّة بلهاء باستغلال وقت العزل إيجابيًّا. فعلته على مرّ الأيّام والأعوام والإخفاقات والإحباطات، ودفعت ثمنه الكثير من الدموع والألم والخسارات والكثير أيضًا من التمرّد؛ وقلت آن الأوان لأن أعيش الحياة كما أرغب لا كما يجب وفق منظومة قوانين تمعن في تقييد الإنسان بدلًا من أن تحرّره.  قرّرت أن أعيش الحياة كما أرغب بعد أن أيقنت فعلًا ”أن الموت قد يكون أفضل طريق إلى الحياة“ (نقلا عن الرفيق برلين في لا كازا دي بابل). لا فضل للعزل المنزلي بذلك ولا لمسبّبه فيروس كورونا الذي لم يفعل سوى تأكيد المؤكد في منظومة قناعاتي. لذا، كلّ ما أفعله في حقبة كورونا هو الانتظار. أنتظر بقلق وتوتر. لم يكن الانتظار والهدوء يومًا مُكمّلان لبعضهما أو مُتجانسان أو يمكن إيرادهما في حالة نفسيّة واحدة. أنتظر بخوفٍ ورعبٍ من أن تسبقني الحياة وهي تفعل حتى ولو كان كل الكوكب معطلًا، فالحياة تسير وفق شروق الشمس وغروبها، وتنزع كلّ مساءٍ صفحةً من يوميّات لم أكتب عليها سوى عبارة الانتظار. أنظر إلى السقف من دون أفكار كبيرة وخطيرة. أنتظر وحسب